السبق الاخبارية

2020-08-24

طرح الاستاذ الجامعي بجامعة محمد الخامس بالرباط أحمد ادعلي مجموعة من التساؤلات ترتبط بالتعليم عن بعد الذي أٌقرته الوزارة في مقال بصفحته بالفايس بوك وفيما يلي مقال الاستاذ الجامعي .

ما الذي حمل وزار ة التربية والتعليم على اتخاذ قرار التعليم عن بعد في بداية الموسم الدراسي 2020- 2021، مع فتح الباب أمام الأسر لاختيار تعليم أبنائها حضوريا؟ بحثت عن مسوغ أو مسوغات منطقية لقرار الوزارة، ولم اهتد إلى مبرر أو مبررات مقنعة، فلا غرو إذا تناسلت في ذهني بعض الأسئلة والملاحظات.

أولا: ماذا لو عبر جل أولياء التلاميذ عن اختيارهم للتعليم الحضوري؟ هل ستلبى رغباتهم، أم أن الحكومة تستبطن نية أن المعني به هو مؤسسات التعليم الخصوصي ومدارس البعثات الأجنبية، وأن الهدف من تلبية طلبات أولياء التلاميذ المتمدرسين في القطاع العمومي بالتالي هو تورية انهجاس الحكومة بجبر خواطر اصحاب التعليم الخاص؟ هل فعلا تنهجس الحكومة، بحفظ الصحة العامة، أم أن شاغلها الأساسي هو التحلل من عبء المسؤولية؟ ألا يبدو فتح المجال أمام التعليم الحضوري بناء على اختيارات أولياء التلاميذ، مجرد ذريعة تصرف عن الوزارة عبء تبرير قرار الترخيص الصريح بالتعليم الحضوري حصرا لمدارس البعثات الاجنبية ومؤسسات القطاع الخاص. فالوضع الموسوم بارتفاع سرعة انتشار الوباء، يحمل على الاعتقاد بأن ذاك الترخيص يحجب أكثر مما يجلي.
ثانيا: قد يبدو القرار ذريعة لتحلل الوزارة من وزر المسؤولية في حالة ما إذ ساءت الأوضاع بالنسبة لأبناء الأسر التي اختارت التعليم الحضوري، مثلما قد يوظف ورقة تشهر في وجه الأسر التي آثرت تعليم أبنائها عن بعد، والتي يحتمل أن تحاجج بغياب تكافؤ الفرص، إذا ما مرت العملية التدريسية بسلام. والظاهر أيضا، أن الوزارة لا تنشغل بسؤال الإنصاف وضمان المساواة وتكافؤ الفرص. إنها بذلك المنزع، تورط المنظومة في إيقاعين مختلفين، التعليم الحضوري والتعليم عن بعد. والمؤكد أن ذلك الاختيار لا يوفر الفرص المتكافئة للجميع، ويشكل مؤشرا إضافيا يفضح أدلوجة “المدرسة المغربية” أو “المدرسة الوطنية” التي يجري تسويقها في الخطاب الرسمي. هذه العبارات تؤدي وظيفة صهر تمويهي لمصالح مختلفة ونزع فتيل الصراعات والتنافسات على الرساميل المختلفة. بعبارة أخرى، إنها عبارات يلهمها منطق توحيدي نزاع إلى مماهاة تحركها رغبة طمس التمايزات. إن أنفاس الإيديولوجيا تتجلى في أن هذه العبارة توحي بوجود نمط واحد من المدارس. فصيغة المفرد، تغطي على واقع تعليمي تسمه التعددية. فخلف المفرد تتوي مدارس تنضوي تحت سلك التعليم العمومي. وخارج دائرة العمومية، أخذت مدارس مختلفة في الانتشار تتباين من حيث قدراتها على مجاراة التحولات الوطنية والدولية وتختلف في بنياتها ومناهج تدريسها وزبنائها وقدراتها التمويلية وطاقاتها البشرية. هذا الخطاب التوحيدي إذن، يحجب أكثر مما يجلي، ويؤدي وظيفة التمويه بدل التنوير. فالفوارق في إطار التعليم العمومي تبدو شاسعة بين مدارس الأحياء الراقية ومدارس الأحياء الشعبية، ومدارس البوادي ومدارس الحواضر. كما أن مدارس وجامعات المركز لا تماثلها في الغالب مدارس وجامعات الأطراف. وتزداد الفوارق بين المدارس العمومية والمدارس الخاصة. وتختلف المدارس الخاصة حسب الجهات والأطوار التعليمية والتخصصات. فضلا عن وجود تفاوتات بين جامعات العلوم الإنسانية والعلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية وبين مدارس الهندسة والطب والمؤسسات العليا للتعليم التقني. فالمدارس تختلف إذن بحسب القطاع والتخصص والموقع المجالي والوسط الجغرافي والفئات المستهدفة والجهة التي تؤمن التمدرس والوسط الاجتماعي. هذه التفاوتات تغذي التباين في نوعية الرأسمال المعرفي والاقتدارات والمهارات المحصل عليها.

ثالثا: يبدو أن مسألة واجبات التمدرس في القطاع الخاص سوف تطرح من جديد. فكيف يعقل أن يؤدي من يتلقى أبنائه الدروس عن بعد نفس الواجبات التي يتحملها من يتلقى أبنائه الدروس حضوريا. المرجح أن أصحاب المدارس الخاصة سيتمسكون بوجوب أداء نفس المبالغ في مواجهة الآباء الذين آثروا التعليم عن بعد المطالبين بإنقاص مبالغ الواجبات، وسيحاججون بأن أبواب مؤسساتهم مفتوحة استجابة لطلبات بعض الآباء، وما عليهم إلا جلب أبنائهم إذا ما رغبوا في الاستفادة من نفس الخدمة، وأن مطلب التخفيض مرفوض في ظل إمكانية الاستفادة من الخدمة المتفق عليها في العقد.

رابعا: تدفع مؤشرات كثيرة إذن، صوب التأكيد على أن هاجس الحكومة الرئيس هو التحلل من عبء المسؤولية وليس حفظ الصحة العامة؛ وإلا ما الذي يفسر فتح الباب أمام حرية الاختيار. إما أن الظروف ملائمة للتعليم الحضوري، أو أنها لا تسمح بذلك. لو أرادت الحكومة اعتماد التعليم الحضوري، فعليها أن تقرر ذلك بوضوح وتتحمل مسؤولياتها الأخلاقية والتاريخية. وظيفتها هي ان تقرر وتتحمل مسؤوليات قراراتها، لا ان تلقي بكرة النار في حِجْر الأباء والأمهات، وتعمل على حوصلة النتائج الإيجابية لحسابها، وتسرف في التبجح بظفرها بصك الاعتراف بمعجازتها من جيش الخبراء وعتاة ساسة العالم.

خامسا: ليس من الكياسة في شيء، الارتماء في أحضان وباء مدمر، بحجة توهم احتمال جني مكاسب صغرى. إن رجاحة العقل، والتقدير السليم، يفرضان وضع سلم اولويات. والمؤكد أن الصحة العامة أثمن من كل شيء.

سادسا: لو جاز اعتماد منطق تمييز “إيجابي، لكان أولى السماح بالتعليم الحضوري في المداشر والقرى النائية والأحياء التي لم يقتحمها الوباء بعد، مع الإشارة إلى أن هذا الاختيار نفسه لا يضمن تكافؤ الفرص وتحقيق المساواة.
سابعا: أي معنى للديمقراطية التشاركية، إن لم يكن القرار محصلة نقاش جماعي ومداولة بين كل الأطراف المعنية؟

ثامنا: وبينما تحض الوزارة الجميع على الانخراط في جهود إنجاح التحصيل الدراسي، صمت البلاغ عن مسؤولياتها الآنية. ما الذي حضرته الحكومة لتجسير الفجوة الرقمية التي غَدَت بؤرة تُغذي اللامساواة في القدرة على الولوج إلى الخدمة التعليمية عن بعد. فلئن كانت فجائية الجائحة مطية للتقليل من هول ارتباك الحكومة وذريعة للتجاوز عن عورات التعليم عن بعد، فهل تداركت الحكومة تأخرها، أم أنها ستلدغ من الجحر مرتين، ويلدغ معها التلاميذ والطلبة والأساتذة والأسر.

هذه الملاحظات تدعو في الختام إلى الاستفهام، ماذا وراء الأكمة؟
شخصيا، لا تتراءى لي مؤشرات ما اعتبرته الوزارة “مخططا تدبيريا واضحا”. على العكس من ذلك، نلمس ارتباكا بينا، وتخبطا واضحا، ونزوعا مخاتلا لتورية الحرص على جبر الخواطر، وجرعات كثيفة من الإديلوجيا، في مقابل قسمات شاحبة من أخلاق الواجب وحس المسؤولية.
ولمن يسأل عمن يقرر وكيف تتخذ القرار ات في زمن الأزمات؟ لقد جاءك الرد سريعا من الوزارة؟
قرارات تزيد من جرعات الارتباك والتردد، عوض تبديدها أو على الأقل إضعافها.

ذٌهِل الجَمْع، ولم يجد غير التهكم سبيلا للتنفيس عن