جريدة السبق الاخبارية

2020-09-25

شائكة هي القضايا الإنسانية، كل القضايا الإنسانية، ووعر هو طريق العمل بها. لا تتجلى هذه الوعورة فقط في المخاطر السياسية المغلفة للقضايا الإنسانية، ولا في النظرة الاجتماعية التي ستلحق بالعاملين بها، ولا في الانعزال الاجتماعي الذي قد يتسبب به الاندماج في تفاصيلها، ولا في التبعات الاقتصادية التي قد تتراكم على العاملين بها، لربما تتجلى صور الوعورة هذه داخل النفس، في متاهات العقل، حيث يتصارع الإنسان مع نفسه بسبب هذه القضايا، وحيث يعاركه المبدأ الحقوقي ليسحبه مقفى إلى ساحة قضية لربما هو كاره لها وغير قادر على التعامل مع الشق العاطفي المؤلم الذي قد يتجلى في روحه بسببها.
لربما أوضح الأمثلة هو الموقف من عقوبة الإعدام، التي لا يمكن لحقوقي ملتزم في العالم أجمع أن يؤيدها، ولكنها لحساسية وضع المحكومين بها وبسبب من بعدها الديني، دوماً ما تتسبب في تناقضات نفسية عدة. يحاول الفريق المؤيد لهذه العقوبة دائماً في عارض الدفاع عنها استخدام أمثلة حارقة مؤذية، تتجلى مثلاً في طرح، مثل: ماذا لو كان المقتول ابنك؟ ماذا لو اغتصب أحدهم ابنتك؟ وهي أطروحات أجدها عظيمة الثقل فقط في طباعتي لها على شاشة الكمبيوتر، فكيف بالمرور بها؟ بالطبع سيرغب المنكوب في تقطيع جسد المجرم بأسنانه عندها، إلا أنه ولهذا السبب، لا يمكن أن يكون المنكوب هو القاضي، بل إن القضاء عادة ما ينحي أي قاض أو قاضية قد يكون أو تكون طرفاً ولو بعيداً في القضية المنظورة؛ تفادياً للتبعات العاطفية واتقاء للضعف الإنساني. أحياناً كان مخالفيّ يحاججون بعقوبة صدام حسين، وفي محاولة لإيقاع الحرج، يسألون: ألا تؤيدي إعدام صدام حسين؟ ويأتي الرد من أعماق تضاربي النفسي أن قد أرغب في دفن الرجل حياً، ليس فقط لما فعله في الكويت، لكن كذلك لما فعله بالملايين من العراقيين على امتداد ثلاثين عاماً، لكنني لا أؤيد إعدامه، فإزهاق روح ليس من حق البشر، وكما يقولها الحقوقيون دوماً، أن يفلت منك ألف مجرم أهون من أن تعدم بريئاً واحداً.
وعليه، لمن يريد العمل في المجال الإنساني الحق في اختيار قضية أو أكثر للتركيز عليها وتبنيها، لكن ما لا حق له فيه هو مصارعة القضايا الأخرى ومحاربتها، مهما بلغت مشاعره الخاصة تجاهها، ومهما بلغ نفوره الاجتماعي والنفسي منها، بل ومهما بلغ صراعه الأيديولوجي الديني مع فحواها.
فمن يرد النزول لساحة العمل الحقوقي، فعليه أن يفهم أن المطلوب هو حياد فوق طاقة البشر، تفهماً للمناحي الثقافية المختلفة يفوق قدراتهم، واستبعاداً لكل مفهوم اجتماعي أو أيديولوجي أو ديني قد يقف عائقاً أمام المبدأ العام للعمل الإنساني أو قد يمنع العامل من إظهار موقف حقوقي مكتمل منه، أو قد يفرض عليه اتخاذ موقف مضاد له. هذه الأريحية الأيديولوجية والمواقفية، رغم أن التعبير عنها وممارستها أحد أهم الحقوق الإنسانية، إلا أنها غير مستحقة للعامل في الساحة الإنسانية، وليست من ضمن الرفاهيات الديمقراطية المدنية المسموحة له. هو إذن مجال مليء بالحفر والمستنقعات، وهو طريق يحرم سائره حق أريحية التعبير عن الرأي فيما يخص ثقافات ومعتقدات واختيارات الآخرين، فعلام اختيار هذا الطريق؟
العمل في القضايا الإنسانية يعقم روح الإنسان، ويحميه من فيروسات قلبه، ويحصنه ضد العدوى بعنصريات وانحيازات الآخرين. العمل في القضايا الإنسانية يثري تجربة الإنسان، يحييه عدة حيوات في حياة واحدة، يعمق روحه بآلام الآخرين، يثقل تجاربه بغرابة تجارب الآخرين وتعدد مصادر آلامها. العمل في القضايا الإنسانية يحيي الآمال وهي رميم، فهو يضع الإنسان في مواجهة أصعب الظروف البشرية وأقوى صور تحديات البشر لهذه الظروف، هو عمل يعلم القائم عليه فن التعاطف والتراحم، ومهارة الإصرار والاستمرار، وملكة تصغير الحياة إلى حجمها الحقيقي، وموهبة القدرة على رؤية الإطار الكبير للحياة والصورة العميقة اللامتناهية لأبعادها التي تسكنه. هو عمل يتفضل على القائم به، يشرفه، يعمق فكره، يجعله إنساناً أفضل، قادراً على أن يحيا بصورة أكثر حقيقية وصراحة ونقاء. العمل الإنساني يكثف الأنفاس ليصبح الأوكسجين أنقى، وعليه يصبح العقل أقوى وأصفى.
إذا كنت مثلي ومثل كثير من البشر أحياناً تتساءل حول اختياراتك لمسارات حياتك، أود حباً وكرامة أن ألفتك إلى تجربة العمل الإنساني بحياده القاسي، وتقييده المؤلم، وتطهيره الحارق للنفس. ستجدها تجربة لا مثيل لها باجتماع آلامها وآمالها وأحلامها، تجربة خلابة بكل متناقضاتها المؤلمة المثرية، ولربما، إن كنت مثلي نومك عزيز، ستنام ليلك أفضل.