السبق الاخبارية

2021-01-05

باتت غالبيّة الشّعب الفِلسطيني في الوطن والمهجر، تتعاطى بحالةٍ من الفُتور والتّجاهل وانعِدام الثّقة تُجاه كُل المُبادرات التي تَصدُر بين الحِين والآخَر، من قِبَل قُطبيّ النّخبة السياسيّة الفِلسطينيّة، ونحن نتحدّث هُنا عن قِيادتيّ السّلطة الفِلسطينيّة وحركة “حماس”، ومن المُؤكّد أنّ هذه الحقيقة تَنطبِق بالكامِل على الاتّصالات الجارية حاليًّا بين الرئيس محمود عبّاس رئيس السّلطة وحركة “فتح”، والسيّد إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس”، من أجل إحياء جُهود المُصالحة الفِلسطينيّة، والدّعوة إلى انتِخابات ثُلاثيّة “مُتتابِعة” للرّئاسة والمجلسين التّشريعي والوطني، في غُضون ستّة أشهر، ولِسان حال الأغلبيّة الفِلسطينيّة يقول لقد سَمِعنا الكلام نفسه عشَرات المرّات فما الجديد؟ وعلى من تقرَأ مزاميرك يا داوود.

المُتحدّثون باسم الحركتين المَذكورتين أيّ “فتح و”حماس”، يُبرّرون هذه العودة للمُصالحة والانتِخابات بعدّة عوامل:

  • الأوّل: الظّروف والتحدّيات الصّعبة والخطيرة التي تُواجِه القضيّة الفِلسطينيّة هذه الأيّام.

  • الثّاني: ضمانات من خمس دول رئيسيّة بدعم وتسهيل هذه المُبادرات والانتِخابات الثّلاثيّة التي ستتمخّض عنها، وهي مِصر وتركيا وروسيا وقطر والأردن.

  • الثّالث: تنازل حركة “حماس” عن شُروطها السّابقة في ضرورة “التّزامن” في أيّ مسيرة انتخابيّة قادمة يتم الاتّفاق عليها، والقُبول بمبدأ “التّتابع” وإجراء هذه الانتِخابات على أساس “النسبيّة” والقائمة المُوحّدة.

لا نَعرِف الأسباب الحقيقيّة التي دفعت حركة “حماس” إلى التقدّم بهذه المُبادرة، وتقديم هذا التّنازل خاصّةً بعد خيبة أملها من مُبادرةٍ سابقةٍ مُماثلةٍ في أيلول (سبتمبر) الماضي قادها اللواء جبريل الرجوب، أمين سِر اللّجنة المركزيّة لحركة “فتح” والسيّد صالح العاروري، نائب رئيس حركة “حماس”، لتعزيز الوحدة الوطنيّة وإجراء انتخابات رئاسيّة وتشريعيّة، على أرضيّة المُقاومة “الشعبيّة”، وتوحيد جميع الفصائل في مُواجهة الاحتِلال.

الرئيس عبّاس لم يَفِ بوعده ويُصدِر مرسومًا بالتّالي بالدّعوة إلى الانتخابات وتحديد موعدها، كما أنّ كُل ما تعهّدت به الحركتان بتشكيل قِيادة مُوحّدة لجميع الفصائل تقود المُقاومة الشعبيّة ضدّ الاحتِلال لم يتَحقّق، وانهارت كُل هذه الاتّفاقات بعد فوز جو بايدن في الانتِخابات الرئاسيّة ووضع السّلطة كُل بيضها في سلّته.

تخلّي السّلطة وحركة “فتح” عمودها الفِقري عن مُقاطعة أمريكا، والعودة إلى التّنسيق الأمني بصُورةٍ أقوى من أيّ وقتٍ مضى، واستِلام أموال المُقاصة “ناقصة” مخصوم منها مُخصّصات الشّهداء والأسرى، وِفق الشّروط الإسرائيليّة، كُلّها أسباب أدّت إلى نسف مهرجانات الوِحدة الوطنيّة والمُصالحة في رام الله وبيروت، وعادت الأمور إلى وضعها السّابق، إن لم يَكُن أسوأ عندما انخرطت حركتيّ “فتح” و”حماس” في حربٍ كلاميّةٍ وتَبادُل اتّهامات أكثر شراسةً من المرّات السّابقة.

هُناك تناقض كبير يَستَعصِي على الفهم، أو فهمنا نحن على الأقل، فكيف تُقدِم حركة “حماس” قبل أيّام معدودة على تنظيم مُناورات عسكريّة مفتوحة غير مسبوقة، وفي وضَح النّهار في قِطاع غزّة، تشمل إطلاق صواريخ وطائرات مُسيّرة، وأخرى بريّة هُجوميّة بالذّخيرة الحيّة وبمُشاركة كُل الفصائل المُقاومة، وبعد يومين منها يُرسِل السيّد هنية رسالةً إلى الرئيس عبّاس يتخلّى فيها عن جميع شُروط الحركة السّابقة تُجاه الانتِخابات ويقبل بإجراء انتخابات رئاسيّة وتشريعيّة ومجلس وطني تحت الاحتِلال وِفقًا لشُروط السّلطة، وفي ظِل استِمرار التّنسيق الأمني، وفي إطار اتّفاقات أوسلو والاعتِراف بإسرائيل؟

والأهم من ذلك كيف يلتقي السيّد هنية وقادة من حركة “حماس” باللواء إسماعيل قآاني، رئيس فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، ويرفعون صُور الرّاحل الشّهيد قاسم سليماني “شهيد القدس” مثلما وصفه السيّد هنية، في عدّة مُدن في قِطاع غزّة، مُشاركة في إحياء ذِكرى مُرور سنة على استِشهاده بطائرة مُسيّرة أمريكيّة في مُحيط مطار بغداد، ثم يعودون في الوقتِ نفسه إلى اتّفاقات أوسلو والتّنسيق الأمني، وانتِخابات تشريعيّة ورئاسيّة يعلمون جيّدًا أنّ أمريكا وإسرائيل لن تَعترِف بنتائجها إلا إذا كان الثّمن القُبول بصفقة القرن والتّطبيع الكامِل مع دولة الاحتِلال؟

أخيرًا نقول كيف يَثِق السيّد هنية في ضِمانات الدّول الخمس، وما الذي يستطيعون فِعلُه إذا تراجعت السّلطة للمرّة الالف عن تعهّداتها والتِزاماتها، أو منعت دولة الاحتِلال إجراء هذه الانتِخابات؟ وهل ينسى هنية أنّ أمريكا وجميع الدّول الأوروبيّة وحتّى روسيا التي كانت ضامنةً لاتّفاق أوسلو لم تفعل شيئًا للسّلطة ورئيسها عندما شطبت حُكومة نِتنياهو جميع هذه الضّمانات وكافأتها الإدارة الأمريكيّة بصفقة القرن وضمّ القدس ومُعظم الضفّة وغُور الأردن؟

نسأل ولا ننتظر الجواب، لأنّنا نَعرِفه مُسبقًا.

“رأي اليوم” بتصرف