على قارعة الطريق الوطنية الرابطة بين أزرو وأيت ملول، وفي واحدة من أقسى ليالي الشتاء، كانت امرأة حامل في شهرها الأخير تفترش الأرض، وإلى جانبها طفل (ع) لا يتجاوز أربع سنوات.
لم يكن لهما جدار يحميهما من البرد، ولا سقف يقيهما المطر، سوى حافة الطريق وضجيج السيارات. هناك، في الهامش المنسي، بدأت قصة أسرة لم تولد لتكون خارج المجتمع، لكنها دُفعت إليه دفعًا.
تحرّك أهل الخير آنذاك، وجُمعت تبرعات مكّنت السيدة من كراء غرفة صغيرة تأويها من قساوة الطقس. وبعد أسابيع وضعت مولودتها أنثى، فصار الطفل أخًا، وصارت الأسرة ثلاثة أفراد… بلا هوية، بلا وثائق، وبلا أي باب يفتح لهم طريق الحياة الطبيعية.
كبر الطفل، وكبرت معه أخته الصغيرة، لكن أبواب المدرسة بقيت موصدة في وجوههم.
لم يكن العائق فقرًا فقط، بل غياب أي وثيقة تُثبت أنهم موجودون أصلًا.
في وقت كان الأطفال يحملون محافظهم ويتجهون نحو الأقسام، كان هو يجلس قرب أمه وأخته يتسولون، يراقب العالم من الخارج، ويهمس ذات يوم ببراءة أمام مدير مدرسة
“أنا أريد أن أكون مثل الآخرين… أريد أن أدخل إلى القسم وأتعلم.”
لكن لا أحد سمع.
ومع مرور السنوات، اختار الطفل — الذي لم يعد طفلًا — أن يتخذ من “السويقة” ملجأ له. هناك لم يجد حماية، بل وجد الاعتداء، والاستغلال، والامتهان. كان فريسة سهلة في شارع لا يعترف بالضعفاء.
وفي إحدى المرات قال للناس أريد ان تكون عندي بطاقة وطنية حتى اشتغل في الضيعات لكن صيحاته ذهبت سدى
تراكم القهر داخله، وتحول إلى غضب، ثم إلى عنف.
وعندما اشتد عوده، بدأ يُصفي حساباته مع الشارع الذي سحقه.
تحوّل الضحية إلى خطر.
طُعن أكثر من ثمانية أشخاص، وعاش الحي على وقع الخوف، بينما كانت قصة الطفولة المنهوبة غائبة عن أي تقرير.
تدخلت الشرطة، وتكاثرت الشكايات، لكنه كان يفلت في كل مرة… إلى أن سقط أخيرًا.
تنفّس السكان الصعداء، وشكروا الأجهزة الأمنية، وهو شكر في مكانه، لأن الأمن ضرورة لحماية الأرواح.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل تكفي المقاربة الأمنية وحدها؟
ماذا عن الطفل الذي لم يُسجَّل عند ولادته؟
ماذا عن المدرسة التي أغلقَت أبوابها في وجهه؟
ماذا عن الإدارة التي لم تبحث عنه؟
ماذا عن المجتمع الذي مرّ بجانبه كل يوم ولم يسأله: “من أنت؟”
اليوم، أخته الصغيرة تسير في الطريق ذاته.
بلا وثيقة، بلا دراسة، بلا حماية.
تجوب المقاهي، تقترب من سن المراهقة، وتدخل منطقة الخطر.
فكيف سيتعامل معها الشارع؟
وكيف سيتعامل معها المنحرفون؟
وهل ننتظر سنوات لنكتب قصة جديدة عن ضحية أخرى تحولت إلى متهمة؟
هذه ليست حكاية مجرم.
هذه حكاية دولة ومجتمع فشلا في احتضان طفل.
وحين نفشل في الإنقاذ، لا ينبغي أن نتفاجأ بالعواقب.





عذراً التعليقات مغلقة