عبد الحي مبارك.. حين يتحول الفن إلى ذاكرة لمدينة إفني

sabkمنذ 4 ساعاتآخر تحديث :
عبد الحي مبارك.. حين يتحول الفن إلى ذاكرة لمدينة إفني

لا يكون الفن لدى بعض الفنانين مجرد ممارسة جمالية عابرة، بل يتحول إلى فلسفة في الحياة وطريقة في النظر إلى العالم، ووسيلة لمقاومة النسيان. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة تجربة الفنان التشكيلي والمصمم الإفناوي عبد الحي مبارك، الذي ارتبط اسمه في بداياته بالفن والتصميم والإخراج البصري، قبل أن تتسع تجربته خلال السنوات الأخيرة لتشمل الكتابة عن مدينة إفني، عن وجوهها وذاكرتها وتفاصيلها الصغيرة التي تختزن الكثير من الحكايات عن أبنائها وأحيائها وحاراتها العتيقة.

وجد مبارك في وسائل التواصل الاجتماعي فضاء رحباً للكلمة والتعبير، ومنبراً لاستحضار جوانب من ذاكرة المدينة وتوثيق بعض ملامحها الإنسانية والمكانية. وهكذا أصبحت الكتابة، في تجربته، امتداداً طبيعياً لممارسته الفنية؛ فكما كان يرسم بالصورة والخط واللون، صار يكتب بالكلمة من أجل صون ذاكرة المكان ومنحها فرصة أخرى للخلود.

جيل إفني وذاكرة الثمانينيات

ينتمي عبد الحي إلى جيل عرف إفني خلال ثمانينيات القرن الماضي، في مرحلة كان فيها الماضي الإسباني لا يزال حاضراً في تفاصيل المدينة العمرانية والبصرية، وفي شوارعها وجدرانها وأجوائها العامة.

عاش طفولته وشبابه في فضاء يجمع بين آثار مرحلة تاريخية سابقة وحياة جيل جديد نشأ في المدينة واكتشف العالم من خلالها. ومع مرور السنوات، برز اسمه في المجال الفني باعتباره فناناً تشكيلياً ومصمماً للشعارات، وصاحب حس بصري واضح، قبل أن تمتد تجربته إلى الإخراج الفني وتصميم الصفحات والمطبوعات.

وهكذا رافقته الصورة بأشكالها المختلفة، قبل أن تعود لتظهر في كتاباته عن المدينة وناسها.

ومن أبرز محطات تجربته المهنية والفنية اشتغاله لسنوات في إخراج مجلة «مشاهد» وتصميم صفحاتها، خصوصاً خلال مرحلتها الورقية.

كان العمل الصحفي والثقافي في زمن الورق يقوم على إيقاع مختلف؛ فالصفحة تُبنى بعناية، والعلاقة بين النص والصورة والعنوان والفراغ كانت جزءاً من عملية تحريرية وجمالية متكاملة. وكان المصمم شريكاً في صناعة الصفحة وتحديد إيقاعها البصري إلى جانب الكاتب والمحرر والمصور.

لذلك تكشف تجربة عبد الحي في «مشاهد» عن فنان لم يحصر علاقته بالصورة داخل اللوحة، وإنما وسعها إلى المطبوع والصفحة والهوية البصرية للمادة الثقافية.

كانت للمطبوعات آنذاك خصوصية يصعب استعادتها بالكامل اليوم: رائحة الحبر، ملمس الورق، انتظار صدور العدد، والوقت الذي كان يمنح للصفحة حتى تكتمل. أما الشاشة فجاءت بإمكانات أوسع وإيقاع أسرع، لكنها جعلت الصورة أيضاً أكثر سرعة في الإنتاج والاستهلاك.

من الصورة إلى ذاكرة المدينة

لم تتوقف تجربة عبد الحي عند الفن والتصميم والإخراج؛ فمن خلال كتاباته عن إفني يظهر وجه آخر للفنان: وجه الكاتب الذي ينظر إلى الماضي بعين مختلفة.

حين يكتب عن أعلام المدينة ووجوهها، لا يتعامل مع الذاكرة باعتبارها مجرد أرشيف للأسماء والتواريخ، بل يراها حياة كاملة تتشكل من البشر والأمكنة والحكايات والتفاصيل.

وتستمد كتابته قوتها من قربه من الموضوع؛ فهو لا يكتب عن مكان بعيد أو عن ذاكرة غريبة عنه، وإنما عن مدينة عاش فيها، وعرف بعض وجوهها، وخبر تفاصيلها وملامحها عن قرب.

صحيح أنه غادرها في فترة من حياته ليستقر بمدينة أكادير بحكم عمله، غير أن الحنين إلى موطنه الأصلي ظل يشده إليها، فلم يلبث أن عاد إليها، كما يعود الطائر إلى عشه بعد غياب.

لذلك تبدو نصوصه أقرب إلى استعادة شخصية للزمن، لكنها في الوقت نفسه تتجاوز حدود التجربة الفردية لتلامس ذاكرة جماعية أوسع. فهو يكتب عن الأشخاص فتظهر من خلفهم المدينة، ويستحضر الوجوه فتنهض الأمكنة من جديد، ويتوقف عند تفصيل صغير فإذا به يقود إلى زمن كامل وجيل كامل.

ولعل هذا ما يجعل قارئ كتاباته يشعر بأنه لا يستعيد ماضي الآخرين فحسب، بل يستعيد أيضاً جانباً من زمن عاشه وانتمى إليه.

الكتابة بعيداً عن الاستعراض

من السمات اللافتة في كتابات مبارك ميله إلى الاقتصاد في النشر والكلام. فهو لا يحول منصات التواصل الاجتماعي إلى تدفق دائم للكلمات، وإنما يكتب عندما يجد ما يستحق الكتابة.

وتكتسب هذه السمة أهميتها في زمن أصبحت فيه كثرة الحضور معياراً للحضور نفسه. أما في تجربته، فلا تبدو القيمة مرتبطة بعدد المنشورات، وإنما بما يمكن أن يتركه النص في ذاكرة القارئ.

لهذا تأتي كتاباته هادئة، بعيدة عن الاستعراض، وتركز على استعادة التفاصيل أكثر من إطلاق الأحكام. وهو لا يحاول فرض الماضي على الحاضر أو تقديم المدينة في صورة مثالية، بل يترك للذاكرة أن تتحدث من خلال الأشخاص والأمكنة والحكايات.

إفني.. مدينة تتحول إلى شخصية

يصعب فصل تجربة عبد الحي مبارك عن إفني؛ فالمدينة في كتاباته ليست مجرد خلفية جغرافية، بل شخصية قائمة بذاتها. إنها مدينة تغيرت ملامحها، وتبدلت أجيالها، وغابت عنها وجوه، وظلت فيها، رغم ذلك، آثار كثيرة مما عاشه أبناؤها.

كما يصعب اختزال مبارك في صفة واحدة؛ فهو فنان تشكيلي، ومصمم، وصاحب تجربة في تصميم الشعارات والإخراج البصري، وعمل سنوات في عالم المجلات الورقية، قبل أن يجد في الكتابة مساحة جديدة لمواصلة علاقته بالصورة والمدينة والذاكرة.

فالفنان هنا لا يعيش داخل مرسم مغلق بعيداً عن الناس والأمكنة، ولا يتعامل مع الإبداع باعتباره نشاطاً منفصلاً عن الحياة. علاقته بالمدينة وذاكرتها الغنية جزء من ممارسته الفنية، مثلما أن علاقته بالخط واللون والتكوين جزء من طريقته في رؤية العالم.

وفي هذا المعنى، تبدو كتابة عبد الحي مبارك عن إفني شكلاً آخر من أشكال الرسم؛ غير أن أدواته هذه المرة ليست الفرشاة والألوان، وإنما الكلمة والذاكرة ووجوه الناس.

اترك تعليق

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من إضافة التعليقات

الاخبار العاجلة