مع اقتراب ذكرى المولد النبوي الشريف، التي تحل يوم الثلاثاء المقبل بالمغرب، يتجدد النقاش الفقهي والمجتمعي بشأن حكم الاحتفال بهذه المناسبة، في ظل اختلاف واضح بين اتجاه يرى فيه تعبيرا مشروعا عن محبة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وتعظيمه، وآخر يعتبره ممارسة دينية مستحدثة لا أصل لها في السنة.
ويستند المؤيدون للاحتفال بالمولد النبوي إلى اجتهادات فقهية تعتبر أن البدع ليست جميعها مذمومة، وإنما يمكن أن تأخذ أحكاما مختلفة، من الوجوب والاستحباب إلى الإباحة، بحسب مضمونها وغايتها. ومن أبرز العلماء الذين تبنوا هذا التصور الإمام السيوطي، الذي وصف الاحتفال بالمولد بأنه «بدعة حسنة»، معتبرا أن إظهار الفرح بهذه المناسبة يدخل في باب الشكر وتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم.
ويستحضر هذا الاتجاه أيضا مواقف عدد من العلماء، من بينهم أبو شامة، شيخ الإمام النووي، الذي رأى في إحياء ذكرى المولد من خلال الصدقات وإظهار مظاهر الفرح والإحسان إلى الفقراء عملا حسنا. كما يستشهد أصحابه بموقف منسوب إلى ابن تيمية، الذي اعتبر أن تعظيم المولد قد يترتب عليه أجر بالنظر إلى حسن القصد ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم.
ويربط مؤيدو هذا الرأي ظهور الاحتفال بالمولد بصورته المنظمة بتاريخ إربل في القرن السابع الهجري، خلال عهد الملك المظفر أبو سعيد كوكبري، الذي اشتهر بإقامة احتفالات واسعة بهذه المناسبة، وذكره ابن كثير في كتابه «البداية والنهاية» بإشادة بصفاته وسيرته.
في المقابل، يرفض علماء من التيار السلفي، من بينهم الشيخان ابن باز وابن عثيمين، الاحتفال بالمولد النبوي، معتبرين أنه بدعة دينية لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أو خلفاءه الراشدين أو الصحابة والتابعين مارسوا هذا الاحتفال.
ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن محبة الرسول وتعظيمه لا تستلزمان تخصيص يوم من السنة للاحتفال بمولده، مشيرين إلى أن القرون الإسلامية الأولى، رغم شدة محبتها للنبي، لم تعرف هذه الممارسة. كما يحذرون من بعض المظاهر التي قد ترافق الاحتفالات، مثل الاختلاط أو استعمال المعازف أو المبالغة في مدح النبي بما يتجاوز الحدود الشرعية.
وفي مقابل هذا التشدد، تتبنى مؤسسات دينية أخرى، من بينها دار الإفتاء المصرية، موقفا أكثر إجازة، إذ ترى أن الاحتفال بالمولد يمكن أن يكون مشروعا إذا خلا من الممارسات المخالفة للشرع، معتبرة أن جزءا كبيرا من الخلاف يتعلق بكيفية إحياء المناسبة وما يصاحبها من ممارسات، وليس بمجرد التعبير عن محبة النبي صلى الله عليه وسلم وذكر سيرته.
المغرب.. احتفال ديني متجذر
وفي المغرب، يحظى إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف بمكانة راسخة ضمن الممارسة الدينية الرسمية والشعبية، حيث تشهد المناسبة تنظيم «الليلة الدينية» بحضور أمير المؤمنين، إلى جانب إقامة الحضرات والأمداح النبوية في المساجد والزوايا بمختلف مناطق المملكة.
ويرتبط هذا التقليد بالمرجعية الدينية المغربية القائمة على المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني، والتي تنظر إلى إحياء هذه المناسبة باعتباره وسيلة للتعبير عن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم واستحضار سيرته، مع مراعاة الضوابط الدينية.
وهكذا، يظل الاحتفال بالمولد النبوي من المسائل التي تتعدد بشأنها الاجتهادات داخل الفقه الإسلامي، بين من يراه من قبيل البدع الحسنة أو المباحات المشروعة، ومن يعتبره ممارسة محدثة لا أصل لها، بينما يستمر المغرب في إحياء هذه الذكرى ضمن تقليد ديني متوارث ومؤطر رسميا.





عذراً التعليقات مغلقة